علي بن زيد البيهقي

39

معارج نهج البلاغة

اى لا يفهم ولا يفهم ولا يعقل . والمراد انّ بقاءه بقاء لا مثال له في الشّاهد . فلا يعقل من طريق الاستدلال بالشاهد على الغايب . العادّون ، اى الَّذين يعدّون الدلايل الشواهد . ( 177 ) واللَّه ، تعالى ، ما لا نظير له فيك ، فلا سبيل لك إلى فهمه ، وهو ذاته ، تبارك وتعالى . فإذا قلت : كيف وجوده تعالى فلا يمكنك ان تضرب له مثالا من نفسك ، فلا يمكنك فهم حقيقة ذات الاوّل وكماله . فاذن لا يعرف اللَّه الَّا اللَّه . والعلم بأنّه موجود علم بأمر عامّ . والعلم بانّه لا اله الَّا هو ، علم بنفي المماثلة ، لا بالحقيقة المنزّهة عن المماثلة . كعلمك بانّ زيدا ليس بفرس ولا طاير . فإنه علم بنفي شئ عنه لا بحقيقته . والسبيل إلى معرفته ما عبرّ عنه الصّدّيق ، رضى اللَّه عنه ، حيث قال : سبحان من لم يجعل لخلقه سبيلا إلى معرفته الا بالعجز عن معرفته . وقال زين العابدين ، عليه السّلام : غاية السبيل اليه ، تعالى . ان يعرف ان لا سبيل اليه . والناس كلَّهم عاجزون عن ( 22 ر ) ادراكه . ولكنّ الذي يعلم بالبرهان المحقّق ، استحالة ادراكه ، فهو عارف بدركه بغاية ما يمكن للبشر ان يدركه . فهذا معنى قوله : ولا يبلغ مدحته القايلون ، ولا يحصى نعماءه العادّون . ويحتمل ان يكون معناه انّ بقاءه ليس ببقاء زمانّى ، بل هو ، تعالى ، خالق الزمان . وإذا لم يكن البقاء بقاء زمانيا فلا يحصيه العادّون بمرور الدّهور وكرور العصور ، كما يحصى بقاء المحدثات بالسنين والشهور والايّام والسّاعات . فهذا ما عندي ، واللَّه اعلم . ( 178 ) وقال الامام الجليل الوبرىّ ، رحمه اللَّه : العادّون الَّذين يستفرعون وسعهم في حصر الاعداد والإحاطة بالافراد ، فليس في وسعهم ان يعرفوا اعداد الأوقات المقدّرة في حقّه تعالى . فالاحصاء يختصّ بالجنس ، والعدّ يختصّ بالافراد . قال اللَّه ، تعالى : * ( لَقَدْ أَحْصاهُمْ وعَدَّهُمْ عَدًّا ) * .